“الأنثروبولجيا الرقميّة” كتاب يجمع بين وضوح الكتاب المدرسي والأسلوب السلس الشيق لِينقل ولعاً بحقول البحث الجديدة، إنّه مادة لا يُستغني عنها بالنسبة إلى طلاب الأنثروبولوجيا وعلمائها، والمهتمّين بدراسات الميديا والتواصل وبالدراسات الثقافية السوسيولوجية.
”لطالما انتظر الباحثون والأساتذة هذا الدليل النفيس إلى مجال الأنثروبولجيا الرقمية، إنّه يُبيّن ما يمكن أن تقدمه الأنثروبولوجيا لدراسة الرقميّ، والعكس أيضاً، وهو نقطة إنطلاق صلبة لإجراء أبحاث جديدة متعلقة بالميديا الرقميّة والتكنولوجيا”.
– بول دوريش (Paul Dourish)، أستاذ المعلوميات، جامعة كاليفورنيا، إرفاين.
”الأنثروبولوجيا الرقمية” كتاب منسّق بعناية، يكشف أهمية المنظور الأنثروبولوجي في فهم الظواهر المختلفة للمجتمع الشبكي.
في هذا الكتاب التكويني يلفت المؤلّفان انتباهنا إلى الطرق التي تعبّر بواسطتها الأنثروبولوجيا الرقمية عن إنسانيّتنا”.
– دانا بويد (danah boyd)، باحثة بارزة، مركز ميكروسوفت للأبحاث.
يتناول الكتاب التحول الذي أحدثته التقنيات الرقمية في فهم الحياة الاجتماعية والثقافية من خلال منظور أنثروبولوجي يعتمد الملاحظة الميدانية والتحليل الإثنوغرافي. ينطلق العمل من فكرة أن الرقمي أصبح جزءاً من التجربة الإنسانية اليومية، وأن تحليله يحتاج إلى دراسة السياقات الاجتماعية التي يظهر داخلها.
يهدف الكتاب إلى توسيع نطاق الأنثروبولوجيا بحيث تشمل العوالم الرقمية بوصفها فضاءات اجتماعية كاملة تتشكل فيها علاقات وهوّيات وممارسات ثقافية. التقنيات الرقمية في هذا التصور تدخل في بنية الحياة اليومية وتعيد تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات.
تتوزع دراسات الكتاب على مجالات متعددة تشمل وسائل التواصل الاجتماعي والعوالم الافتراضية والهواتف المحمولة والسياسات الرقمية والتصميم التكنولوجي. ورغم اختلاف موضوعات الفصول فإنها تشترك في إبراز التنوع الثقافي في استخدام الوسائط الرقمية وفي إظهار أن هذه التقنيات تُعاد صياغتها باستمرار داخل المجتمعات التي تتبناها.
الأسس النظرية للأنثروبولوجيا الرقمية
يضع الكتاب في مقدمته إطاراً نظرياً يحدد موقع الأنثروبولوجيا الرقمية داخل العلوم الاجتماعية. هذا الإطار يقوم على مجموعة مبادئ تنطلق من الفكرة الأنثروبولوجية التقليدية التي تنظر إلى الثقافة بوصفها منظومة مترابطة من الممارسات والمعاني.
الرقمي في هذا السياق يُفهم باعتباره ظاهرة اجتماعية تتشكل من خلال التفاعل بين التقنيات والبنى الثقافية. انتشار الوسائط الرقمية عالمياً لا يؤدي إلى توحيد التجارب الإنسانية، لأن المجتمعات المختلفة تمنح هذه التقنيات معاني متنوعة وفق منظوماتها القيمية والتنظيمية.
كما يؤكد الكتاب أهمية المنهج الإثنوغرافي في دراسة هذه الظواهر. تحليل البيانات الرقمية أو دراسة المنصات التقنية لا يكفي لفهم أثرها في المجتمع. المعرفة الدقيقة تتطلب ملاحظة كيفية استخدام الناس لهذه التقنيات في حياتهم اليومية، وكيف ترتبط بأنماط العمل والعلاقات العائلية والهويات الثقافية.
التحولات الرقمية في الحياة الاجتماعية اليومية
يخصص الكتاب مساحة واسعة لدراسة الكيفية التي دخلت بها التقنيات الرقمية في تفاصيل الحياة اليومية. الأبحاث الميدانية التي يعرضها عدد من الباحثين تظهر أن استخدام الهواتف المحمولة وشبكات التواصل أصبح جزءاً من إدارة العلاقات الاجتماعية وتنظيم الوقت وتبادل الموارد.
في دراسات أجريت في الكاريبي وأوروبا ومجتمعات المهاجرين يظهر أن الهاتف المحمول تحول إلى أداة للحفاظ على الروابط العائلية عبر المسافات. الرسائل القصيرة والمكالمات السريعة تخلق تواصلاً دائماً بين أفراد الأسرة والأصدقاء، وهو ما يعيد تشكيل مفهوم الحضور الاجتماعي.
وسائل التواصل الاجتماعي تمثل بدورها مجالاً مهماً لهذه التحولات. استخدامها يختلف تبعاً للسياق الثقافي لكل مجتمع. في بعض البيئات تستخدم المنصات للتعبير الفردي وإظهار الهوية الشخصية، بينما ترتبط في سياقات أخرى بتعزيز العلاقات العائلية والجماعية. هذا التنوع في الاستخدام يعكس التفاعل بين التكنولوجيا والبنية الاجتماعية.
التقنيات الرقمية تؤثر أيضاً في تجربة المكان. تطبيقات تحديد الموقع والخرائط الرقمية تربط النشاط الاجتماعي بالمواقع الجغرافية، مما يؤدي إلى ظهور طبقة رقمية مرافقة للفضاء المادي. الأماكن تصبح نقاط تفاعل بين الوجود الفيزيائي والتمثيل الرقمي عبر الصور والمعلومات المتبادلة في الشبكات.
العوالم الافتراضية والثقافات الرقمية الجديدة
يتناول الكتاب نشوء مجتمعات رقمية داخل العوالم الافتراضية والألعاب الإلكترونية. هذه البيئات توفر فضاءات للتفاعل الاجتماعي تتشكل فيها هويات جماعية وأنماط تعاون وتنافس بين المستخدمين.
الدراسات التي أجريت داخل منصات افتراضية مثل "سيكوند لايف" تظهر أن المشاركين يطورون أنماطاً ثقافية خاصة تشمل اللغة والرموز وأساليب التنظيم الاجتماعي. هذه الممارسات تمنح العوالم الافتراضية صفة المجتمع الرقمي الذي يمكن دراسته بالمنهج الإثنوغرافي.
صناعة الألعاب الرقمية تشكل مجالاً آخر لهذه الثقافة. تصميم الألعاب يجمع بين العمل التقني والإبداع الثقافي، حيث يحدد المصممون القواعد التي تنظم تجربة اللعب وتشكّل علاقة اللاعبين بالعالم الافتراضي. في الوقت نفسه تنشأ مجتمعات واسعة من اللاعبين تطور ثقافاتها الخاصة وأنماطها التفاعلية داخل هذه البيئات.
السياسة والاقتصاد في الفضاء الرقمي
يعالج الكتاب البعد السياسي والاقتصادي للتكنولوجيا الرقمية من خلال عدة دراسات تتناول النشاط السياسي عبر الإنترنت وثقافة البرمجيات الحرة وبرامج التنمية الرقمية.
الوسائط الرقمية توفر أدوات جديدة للتعبئة الاجتماعية ولتنظيم الحملات السياسية. غير أن الدراسات الميدانية تشير إلى تفاوت كبير بين التعبير السياسي عبر الشبكات وبين المشاركة السياسية المباشرة. التفاعل الرقمي قد يبقى في مستوى النقاش والتعليق دون أن يتحول دائماً إلى فعل سياسي مؤثر.
مجتمعات البرمجيات الحرة تقدم مثالاً مختلفاً على التنظيم الرقمي. هذه المجتمعات تقوم على مبدأ التعاون المفتوح في تطوير البرمجيات وإتاحة الشيفرة المصدرية للجميع. هذا النموذج يعكس تصوراً ثقافياً للمعرفة بوصفها مورداً مشتركاً يمكن تطويره جماعياً.
في سياق آخر يناقش الكتاب العلاقة بين التكنولوجيا الرقمية والتنمية في المجتمعات النامية. انتشار الهواتف المحمولة والإنترنت يوفر إمكانات جديدة للوصول إلى المعلومات والخدمات، إلا أن تأثير هذه التقنيات يعتمد على البنية الاجتماعية والسياسية القائمة. الفجوات الاقتصادية والتعليمية يمكن أن تستمر داخل البيئة الرقمية.
الثقافة والتكنولوجيا والتصميم
يخصص الجزء الأخير من الكتاب لدراسة العلاقة بين الأنثروبولوجيا وتصميم التكنولوجيا. المعرفة التي يوفرها البحث الإثنوغرافي حول حياة المستخدمين يمكن أن تساعد في تطوير تقنيات أكثر انسجاماً مع احتياجات المجتمعات.
التصميم التشاركي يمثل أحد الاتجاهات التي يناقشها الكتاب. هذا الأسلوب يقوم على إشراك المستخدمين في عملية تطوير المنتجات الرقمية، مما يسمح بفهم أعمق للسياق الثقافي الذي ستستخدم فيه التكنولوجيا.
الكتاب يناقش أيضاً التحولات التي تواجه المؤسسات الثقافية مثل المتاحف في عصر الرقمنة. رقمنة المجموعات التراثية تتيح انتشار المعرفة عبر الشبكات الرقمية، وفي الوقت نفسه تطرح أسئلة حول ملكية التراث الثقافي وطرق تمثيله.